هل صحيح أن النبي صلى الله عليه ولد مختونا؟
الشيخ محمد المغراوي
لم يصح حديث يعتمد عليه في أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا، وقد روي ذلك عن عدد من الصحابة ولا يصح شيء من ذلك عن أحد منهم: “عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مسرورا -يعني مقطوع السرة- مختونا. هكذا رواه أبو نعيم، وسنده ضعيف. وروى الخطيب بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كرامتي على الله أني ولدت مختونا، ولم ير سوءتي أحد» قال الخطيب: تفرد به سفبان بن محمد المصيصي وهو منكر الحديث، وقال الدارقطني: كان ضعيفا سيئ الحال. وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر من طريق الحسن بن عرفة قال: حدثنا هشيم عن يونس عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كرامتي على ربي عز وجل أني ولدت مختونا، لم ير أحد سوءتي» لكن في سنده إلى الحسن عدة مجاهيل، قال ابن عساكر: وقد سرقه ابن الجارود وهو كذاب، فرواه عن الحسن بن عرفة. انتهى. وقد قال ابن عبد البر: رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا من حديث ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: «ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا –يعني مقطوع السرة- فأعجب ذلك جده عبد المطلب، وقال: ليكونن لابني هذا شأن عظيم» قال: وليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم. قال: وقد روي موقوفا على ابن عمر ولا يثبت أيضا. وذكر الحكيم الترمذي في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم قال: ومنها أن صفية بنتَ عبد المطلب قالت: «أردت أن أعرف أذكر هو أم أنثى فرأيته مختونا»، هكذا ذكره، وهذا الحديث لا يثبت وليس له إسناد يعرف به. وقد أنكر هذه الأحاديث جماعة من العلماء، وقالوا: إنه ولد كالناس، وأن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم”. [اللفظ المكرم في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم (2/221-222) باختصار]. فالصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ولد كغيره من الناس وجرى عليه ما جرى على الناس، والعرب كانت تـختتن، ومعروفة بالختان، وذكر صلى الله عليه وسلم أن الختان من سنن الفطرة، وإنما الذي يشيع مثل هذه الأخبار من أنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا هم الغلاة الذين يحاولون إلصاق الرسول صلى الله عليه وسلم بأي شيء يدعو إلى الغلو، ولو اعتنوا بالدعوة إلى متابعته صلى الله عليه وسلم والاقتداء به والتسنن بسنته؛ لكان خيرا لهم من تلفيق الأخبار الباطلة المنكرة الشاذة التي لا خطام لها ولا زمام، وإنما هي من وضع المنافقين والمنحرفين الذين يشغلون الناس بالأخبار الباطلة الضعيفة، التي لا خير فيها ولا في جمعها وإنما هي إثقال للأوراق وضياع للأوقات، وإتعاب للأبصار وفساد للقلوب، فعلى من يفعل ذلك من الله ما يستحقه من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة. هذا وقد ولد عدد من الناس مختونا، وصرح بذلك آباؤهم وأمهاتهم وربما كانوا من أبناء اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، فما هي المنقبة التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نظر هؤلاء، فقد شاركه غيره على فرض صحة هذه الفريضة وهي لا محالة باطلة.
